سيد محمد طنطاوي
481
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بضرب المثل . إيراد حالة غريبة ، ليعرف بها حالة أخرى مشابهة لها في الغرابة . وقوله * ( مَثَلًا ) * مفعول ثان لضرب ، والمفعول الأول * ( امْرَأَتَ نُوحٍ . . . ) * . والمتدبر للقرآن الكريم ، يراه قد أكثر من ضرب الأمثال ، لأن فيها تقريبا للبعيد ، وتوضيحا للغريب وتشبيه الأمر المعقول بالأمر المحسوس ، حتى يرسخ في الأذهان . . . أي : جعل اللَّه - تعالى - مثلا لحال الكافرين ، وأنه لا يغنى أحد عن أحد * ( امْرَأَتَ نُوحٍ وامْرَأَتَ لُوطٍ ) * عليهما السلام . وعدى الفعل * ( ضَرَبَ ) * باللام ، للإشعار بأن هذا المثل إنما سيق من أجل أن يعتبر به الذين كفروا ، وأن يقلعوا عن جهالاتهم التي جعلتهم يعتقدون أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة . وقوله - تعالى - : * ( كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما . . . ) * بيان لحال هاتين المرأتين ، ولما قامتا به من أفعال شائنة ، تتنافى مع صلتهما بهذين النبيين الكريمين . . . والمراد بالتحتية هنا : كونهما زوجين لهذين النبيين الكريمين ، وتحت عصمتهما وصيانتهما ، وأشد الناس التصاقا بهما . وقال - سبحانه - * ( كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ . . . ) * للتعظيم ، أي : كانتا في عصمة نبيين لهما من سمو المنزلة ما لهما عند اللَّه - تعالى - . ووصفهما - سبحانه - بالصلاح ، مع أنهما نبيان والنبوة أعظم هبة من اللَّه لعبد من عباده - للتنويه بشأن الصالحين من الناس ، حتى يحرصوا على هذه الصفة ، ويتمسكوا بها ، فقد مدح اللَّه - تعالى - من هذه صفته في آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : وبَشَّرْناه بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ .